نشأة اللغة العربية
يرى بعض اللغويين أنّ اللغة إنّما هي استعداد فطري، جعله الله تعالى غريزة في آدم؛ ليعبِّر عن كلّ ما هو معنويّ أو ملموس بكلمة خاصة ذات حركة وصوت خاصّ، ثم إنّها انقرضت لعدم استعمالها. وقد اختلفت الأقوال حول نشأة اللغة العربية، ففريق يرى أنّ اللغة العربية لغة توقيفيّة مُلهَمة؛ وفريق يراها لغة اصطلاحيّة، وفي ما يأتي بيان ذلك:اللغة العربية لغة توقيفيّة: يرى بعض الدارسين لأصل اللغة العربية أنّ المُسمَّيات وُجِدَت كما هي، وذلك إمّا بالتلقين؛ وهو عَرض المُسمَّيات واحدة واحدة من خلال سماعها، وإمّا بالإلهام، وهو عَرض وإلقاء العِلم والمُسمَّيات في نفس المُتلقِّي إلقاء مباشراً.
وفي ذلك يطرح بعض العلماء أو المُهتمِّين آراءهم في اللغة، ومن ذلك ما يأتي: اعتبر المصريّون القدماء اللغة منحة من إله السماء، إله الحكمة، وقد استقبلها الإنسان كما هي. قال اليونانيّ هرقليطس: "إنّ اللغة إلهام هابط من السماء أيضاً، وعِلم الأسماء يُؤدّي إلى علم الأشياء، لأنّنا حين نعرف حقيقة الاسم نعرف بالضرورة حقيقة المُسمَّى". وَرد في سِفر التكوين: "أنّ الرب أحضر الكائنات إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكلّ ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها، فدعا آدم بأسماء جميع البهائم، وطيور السماء، وجميع حيوانات البرية". جاءت أغلب الأقوال في الإسلام مُبيِّنة أنّ اللغة العربية توقيفيّة؛ اعتماداً على قول الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)،ويُفسِّر ابن فارس قول الله تعالى بأنّه علَّم آدم ما شاء من أسماء، ثم علَّم بني آدم ما شاء حتى علَّم النبي محمد عليه الصلاة والسلام ما لم يُعلِّم أحداً من قبل، ولا نحصر المعنى بتعلُّم الأسماء فقط، وإنّما علَّمه أيضاً الأفعال والحروف؛ فالتكلُّم بالأسماء فقط لا يتمّ. بَيَّن عبده بدوي أنّ اللغة العربية كانت غالبة لغلبة الدِّين الذي جاء بلسان العرب. اللغة العربية لغة اصطلاحيّة، وفي ذلك أقوال عديدة تؤكِّد هذا الرأي على النحو الآتي: اعتبَرَ ديمقريطس أنّ اللغة ظاهرة اجتماعيّة يتّفق عليها البَشر ويصطلحون عليها، وتتطوَّر بتطوُّرهم، وهي ليست سماويّة. اعتبرَ الجُبّائي أنّ الإلهام في اللغة لا يكون إلّا بَعد وَضْعها بصِيَغ مُعيَّنة. وضَّح ابن جني أنّ أصل اللغة من وَضْع حكيمَين أو ثلاثة اسماً ولفظاً لكلّ شيء. وقِيل إنّ اللغة تطوَّرت من خلال المُحاكاة، إذ كانت عبارة عن حركات وإشارات وانفعالات، ثم أصبحت أصواتاً ألهمَها الله تعالى للإنسان، وهذا لا يتنافى مع وَصف اللغة بأنّها توقيفيّة، ثم تطوَّرت أكثر حتى وصلوا إلى التعبير عنها بالكتابة. وممّا سبق يمكن التوفيق بين هذه الآراء كلِّها؛ إذ يمكن اعتبار اللغة توقيفاً وإلهاماً في الأَصل، ثمَّ وَضع الناس عبر التاريخ ألفاظاً مُعيَّنة واصطلحوا عليها، ومن ثَمَّ وضعوا بعض الألفاظ مُحاكاة للأصوات الموجودة في الطبيعة، فحصل لأجل ذلك كلِّه اختلافُ اللغات .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق